الفيض الكاشاني
249
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
« لا تدخل الجنّة عجوز ، وفي عين زوجك بياض ، ونحملك على ولد البعير » ( 1 ) فأمّا الكذب الصريح فكما يعتاده الناس من مداعبة الحمقاء بتغريرهم بأنّ امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر يؤدّي إلى إيذاء قلب فهو حرام ، وإن لم يكن إلا لمطايبة فلا يوصف صاحبها بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه ، وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا يستكمل المرء الإيمان حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، وحتّى يجتنب الكذب في مزاحه » [ 1 ] . وأمّا قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة ليضحك بها الناس يهوي بها أبعد من الثريّا » ( 2 ) أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح . ومن الكذب الَّذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله : قلت لك كذا مائة مرّة ، وطلبتك مائة مرّة ، فإنّه لا يراد بها تفهيم المرّات بعددها بل تفهيم المبالغة فإن لم يكن طلبه إلا مرّة واحدة كان كاذبا وإن كان طلبه مرّات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات يتعرّض مطلق اللَّسان بالمبالغة فيها الخطر الكذب ، وممّا يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال : كل الطعام ، فيقول لا أشتهيه ، وذلك منهيّ عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح . قال مجاهد قالت : أسماء بنت عميس كنت صاحبة عائشة في اللَّيلة الَّتي هيّأتها وأدخلتها على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ومعي نسوة ، قالت : فواللَّه ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن فشرب ثمّ ناوله عائشة قالت : فاستحيت الجارية فقلت : لا تردّي يد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم خذي منه ، قالت : فأخذت منه على حياء فشربت منه ، ثمّ قال : ناولي صواحبك ،
--> ( 1 ) تقدم الثلاثة في الآفة العاشرة . ( 2 ) تقدم في الآفة الثالثة . [ 1 ] أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب من حديث أبي مليكة الذماري دون قوله « وحتى يجتنب الكذب في مزاحه » وللدار قطني في المؤتلف والمختلف من حديث أبي هريرة « لا يؤمن عبد الايمان كله حتى يترك الكذب في مزاحه » . وتقدم عن أحمد في مسنده ج 2 ص 352 « لا يؤمن العبد الايمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة الحديث » .